ابن قيم الجوزية

170

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

به ، وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم ، فإنّ المكذّب بالحق بعد معرفته له شرّ من المكذب به ولم يعرفه ، فتأمله ، فإنه من فقه التفسير ، واللّه الموفق للصواب . فصل ومن ذلك قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) [ مريم ] فالإرسال هاهنا إرسال كونيّ قدري ، كإرسال الرياح ، وليس بإرسال ديني شرعي ، فهو إرسال تسليط ، بخلاف قوله في المؤمنين : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ( 42 ) [ الحجر ] فهذا السلطان المنفي عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على الكافرين . قال أبو إسحاق : ومعنى الإرسال هاهنا التسليط ، تقول : قد أرسلت فلانا على فلان ، إذا سلطته عليه ، كما قال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) [ الحجر ] فأعلم أنّ من اتّبعه هو مسلّط عليه ، قلت : ويشهد له قوله تعالى : إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ النحل ] . وقوله : ( تؤزهم أزا ) فالأزّ في اللغة التحريك والتهييج ، ومنه يقال لغليان القدر : الأزيز ، لتحرك الماء عند الغليان . وفي الحديث : « كان لصدر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أزيز كأزيز المرجل ، من البكاء » « 1 » . وعبارات السلف تدور على هذا المعنى . قال ابن عباس : تغريهم إغراء . وفي رواية أخرى عنه : تسلّهم سلا ، وفي رواية أخرى : تحرضهم تحريضا . وفي أخرى : تزعجهم للمعاصي

--> ( 1 ) صحيح . رواه أحمد ( 4 / 25 ، 26 ) ، وأبو داود ( 904 ) ، والنسائي ( 3 / 13 ) عن عبد اللّه بن الشّخّير .